فصل: تفسير الآية رقم (99):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (88- 89):

{قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)}
قوله تعالى: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا} تقدم معناه. ومعنى {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا} أي لتصيرن إلى ملتنا وقيل: كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر أي لتعودن إلينا كما كنتم من قبل. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء، يقال: عاد إلي من فلان مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ذلك منه. فقال لهم شعيب: {أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ} أي ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيما. {قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها} إياس من العود إلى ملتهم. {وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا} قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل السنة، أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك. فالاستثناء منقطع.
وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل، كما قال: {وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}. والدليل على هذا أن بعده {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا}.
وقيل: هو كقولك ألا أكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبدا، والجمل لا يلج {فِي سَمِّ الْخِياطِ}.
قوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي علم ما كان وما يكون. {عِلْماً} نصب على التمييز. {وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها} أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها. {إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ} ردنا إليها. وفية بعد، لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية. قوله تعالى: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا} أي اعتمدنا. وقد تقدم في غير موضع. {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ} قال قتادة: بعثه الله إلى أمتين: أهل مدين، وأصحاب الأيكة. قال ابن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما طال تمادى قومه في كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ} فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة.

.تفسير الآيات (90- 93):

{وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)}
قوله تعالى: {وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي قالوا لمن دونهم. {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ} أي هالكون. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} أي الزلزلة.
وقيل: الصيحة. وأصحاب الأيكة أهلكوا بالظلة، على ما يأتي. قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} قال الجرجاني: قيل هذا كلام مستأنف، أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى. {يَغْنَوْا} يقيموا، يقال:
غنيت بالمكان إذا أقمت به. وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها. والمغني: المنزل، والجمع المغاني. قال لبيد:
وعنيت ستا قبل مجرى داحس ** لو كان للنفس اللجوج خلود

وقال حاتم طيّ:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ** كما الدهر في أيامه العسر واليسر

كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة ** وكلا سقاناه بكأسهما الدهر

فما زادنا بغيا على ذي قرابة ** غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

{الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأم وتفخيمه. ولما قالوا: من اتبع شعيبا خاسر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول. {فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ} أي أحزن. أسيت على الشيء آسى أسى، وأنا آس.

.تفسير الآيات (94- 95):

{وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95)}
قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ} فيه إضمار، وهو فكذب أهلها. إلا أخذناهم. {بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} تقدم القول فيه. {ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي أبدلناهم بالجدب خصبا. حتى عفوا أي كثروا، عن ابن عباس.
وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد: عفا: كثر. وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم. فأخذناهم بغتة أي فجأة ليكون أكثر حسرة.

.تفسير الآية رقم (96):

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96)}
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى} يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في البقرة مستوفى. {آمَنُوا} أي صدقوا. {وَاتَّقَوْا} أي الشرك. {لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ} يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً} وعن هود {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً}. فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه {وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ} أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.

.تفسير الآيات (97- 98):

{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)}
قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى} الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف. نظيره: {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ}. والمراد بالقرى مكة وما حولها، لأنهم كذبوا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل: هو عام في جميع القرى. {أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا} أي عذابنا. {بَياتاً} أي ليلا {وَهُمْ نائِمُونَ} {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا} قرأه الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف، على معنى الإباحة، مثل {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات. أي إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر.
ويجوز أن يكون {أو} لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيدا أو عمرا. وقرأ الباقون بفتحها بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، نظيره {أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً}. ومعنى {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي وهم فيما لا يجدي عليهم، يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكر النحاس.
وفي الصحاح. اللعب معروف، واللعب مثله. وقد لعب يلعب. وتلعب: لعب مرة بعد أخرى. ورجل تلعابة: كثير اللعب، والتلعاب بالفتح المصدر. وجارية لعوب.

.تفسير الآية رقم (99):

{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99)}
قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} أي عذابه وجزاءه على مكرهم.
وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.

.تفسير الآية رقم (100):

{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)}
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ} أي يبين. {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ} يريد كفار مكة ومن حولهم. {أَصَبْناهُمْ} أي أخذناهم {بذنبهم} أي بكفرهم وتكذيبهم. {وَنَطْبَعُ} أي ونحن نطبع، فهو مستأنف.
وقيل: هو معطوف على أصبنا، نصيبهم ونطبع، فوقع الماضي موقع المستقبل.

.تفسير الآية رقم (101):

{تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101)}
قوله تعالى: {تِلْكَ الْقُرى} أي هذه القرى التي أهلكناها، وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر. {نَقُصُّ} أي نتلو. {عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها} أي من أخبارها. وهي تسلية للنبي عليه السلام والمسلمين. {فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا} أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لأحييناهم، قاله مجاهد. نظيره {وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا}.
وقال ابن عباس والربيع: كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. {بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها لا طوعا. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة.
وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة. نظيره {كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. {كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ} أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

.تفسير الآية رقم (102):

{وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)}
قوله تعالى: {وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ}. {مِنْ} زائدة، وهي تدل على معنى الجنس، ولولا {مِنْ} لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر، ومن نقض العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد.
وقال الحسن: العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.
وقيل: أراد أن الكفار منقسمون، فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلوا، روي عن أبي عبيدة.

.تفسير الآية رقم (103):

{ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)}
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ} أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. {مُوسى} أي موسى بن عمران {بِآياتِنا} أي بمعجزاتنا. {فَظَلَمُوا بِها} أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. قوله تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أي آخر أمرهم.

.تفسير الآيات (104- 112):

{وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112)}
حَقِيقٌ عَلى أي واجب. ومن قرأ {على ألا} فالمعنى حريص على ألا أقول.
وفي قراءة عبد الله {حقيق ألا أقول} بإسقاط {على}.
وقيل: {عَلى} بمعنى الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أبي والأعمش {بألا أقول}. كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. ف {حَقِيقٌ} على هذا بمعنى محقوق. ومعنى {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ} أي خلهم. وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة. {فَأَلْقى عَصاهُ} يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدم. والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. {مبين} أي حية لا لبس فيها. {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي أخرجها وأظهرها. قيل: من جيبه أو من جناحه كما في التنزيل {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي من غير برص. وكان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأول. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضئ ما بين السماء والأرض.
وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تلوح، فإذا ردها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى {عَلِيمٌ} أي بالسحر. {مِنْ أَرْضِكُمْ} أي من ملككم معاشر القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. {فَما ذا تَأْمُرُونَ} أي قال فرعون: فماذا تأمرون.
وقيل: هو من قول الملأ، أي قالوا لفرعون وحده فماذا تأمرون. كما يخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ولأصحابه. و{ما} في موضع رفع، على أن {ذا} بمعنى الذي.
وفي موضع نصب، على أن {ما} و{ذا} شيء واحد. {قالُوا أَرْجِهْ} قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي بغير حمزة، إلا أن ورشا والكسائي أشبعا كسرة الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام، إلا أنهم أشبعوا ضمة الهاء. وقرأ سائر أهل الكوفة {أَرْجِهْ} بإسكان الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، وكذا هذه طلحة قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال قتادة: معنى {أَرْجِهْ} احبسه.
وقال ابن عباس: أخره.
وقيل: {أَرْجِهْ} مأخوذ من رجا يرجو، أي أطمعه ودعه يرجو، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. وكسر الهاء على الإتباع. ويجوز ضمها على الأصل. وإسكانها لحن لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. {وَأَخاهُ} عطف على الهاء. {حاشِرِينَ} نصب على الحال. {يَأْتُوكَ} جزم، لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصما {بكل سحار} وقرأ سائر الناس {ساحِرٍ} وهما متقاربان، إلا أفعالا أشد مبالغة.